أبي حيان الأندلسي

43

البحر المحيط في التفسير

الظلم ، أو إلا أن تظلمني ، أي ما لك حجة البتة ، ولكنك تظلمني . وأجاز قطرب أن يكون الذين في موضع جر بدلا من ضمير الخطاب في عليكم ، ويكون التقدير : لئلا تثبت حجة للناس على غير الظالمين منهم ، وهم أنتم أيها المخاطبون ، بتولية وجوهكم إلى القبلة . ونقل السجاوندي أن قطربا قرأ : إلا على الذين ظلموا ، وهو بدل أيضا على إظهار حرف الجر ، كقوله : لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ « 1 » ، وهذا ضعيف ، لأن فيه إبدال الظاهر من ضمير الخطاب ، بدل شيء من شيء ، وهما لعين واحدة ، ولا يجوز ذلك إلا على مذهب الأخفش . وزعم أبو عبيد معمر بن المثنى أن إلا في الآية بمعنى الواو ، وجعل من ذلك قوله : ما بالمدينة دار غير واحدة * دار الخليفة إلا دار مروانا وقوله : وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان التقدير : عنده والذين ظلموا ، ودار مروان والفرقدان وإثبات إلا بمعنى الواو ، لا يقوم عليه دليل ، والاستثناء سائغ فيما ادّعى فيه أن إلا بمعنى الواو ، وكان أبو عبيدة يضعف في النحو . وقال الزجاج : هذا خطأ عند حذاق النحويين ، وأضعف من هذا زعم من زعم أن إلا بمعنى بعد ، أي بعد الذين ظلموا ، وجعل من ذلك إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ * « 2 » ، أي بعد ما قد سلف ، و إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى « 3 » ، أي بعد الموتة الأولى ، ولولا أن بعض المفسرين ذكر هذين القولين ، ما ذكرتهما لضعفهما . فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي : هذا فيه تحقير لشأنهم ، وأمر باطراحهم ، ومراعاة لأمره تعالى . وضمير المفعول في فلا تخشوهم يحتمل أن يعود على الناس ، أي فلا تخشوا الناس ، وأن يعود على الذين ظلموا ، أي فلا تخشوا الظالمين . ونهى عن خشيتهم فيما يزخرفونه من الكلام الباطل ، فإنهم لا يقدرون على نفع ولا ضر . وأمر بخشيته هو في ترك ما أمرهم به من التوجه إلى المسجد الحرام . وقيل : المعنى فلا تخشوهم في المباينة ، واخشوني في المخالفة ، ومعناه قريب من الأول . وقد ذكرنا شرح هاتين الجملتين في ذكر قراءة ابن عباس بقريب من هذا . وقال السدي : معناه لا تخشوا أن

--> ( 1 ) سورة الأعراف : 7 / 75 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 22 و 23 . ( 3 ) سورة الدخان : 44 / 56 .